محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

62

الآداب الشرعية والمنح المرعية

شيء فأنكر ذلك بالمعاريض وقال : أرقع ديني بعضه ببعض أو كما قال ، وعلى هذا فإذا استحلف على ذلك جاز له أن يحلف ويعرض لأنه مظلوم بالاستحلاف ، فإذا كان قد تاب وصحت توبته لم يبق لذلك عليه حق فلا تجب اليمين عليه ، لكن مع عدم التوبة والإحسان إلى المظلوم وهو باق على عداوته وظلمه فإذا أنكر بالتعريض كان كاذبا فإذا حلف كانت يمينه غموسا . وقال الشيخ تقي الدين أيضا سئلت عن نظير هذه المسألة وهو : رجل تعرض لامرأة غيره فزنى بها ثم تاب من ذلك وسأله زوجها عن ذلك فأنكر فطلب استحلافه ، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسا ، وإن لم يحلف قويت التهمة ، وإن أقرى جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم ؟ فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين اللّه تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون بإزاء إيذائه له في أهله ، فإن الزنا بها تعلق به حق اللّه تعالى ، وحق زوجها من جنس حقه في عرضه . وليس هو مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال ، بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه ، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف وتعريضه كتعريضه وحلفه على التعريض كحلفه . وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لا بد من إيفاء الحق فإن له بدلا ، وقد نص أحمد رضي اللّه عنه في الفرق بين توبة القاتل وبين توبة القاذف ، وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم وتفريج كربات للنفوس من آثار المعاصي والمظالم فإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة اللّه عز وجل ، ولا يجرئهم على معاصي اللّه تعالى . وجميع النفوس لا بد أن تذنب فتعريف النفوس ما يخلصها من الذنوب من التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات والعقوبات هو من أعظم فوائد الشريعة انتهى كلامه . وقال ابن عقيل : فإن كانت المظلمة فساد زوجة جاره أو غيره في الجملة وهتك فراشه قال بعضهم احتمل أن لا يصح إحلاله من ذلك لأنه مما لا يستباح بإباحته ابتداء فلا يبرأ بإحلاله بعد وقوعه ، قال ابن عقيل وعندي أنه يبرأ بالإحلال بعد وقوعه وينبغي أن يستحله فإنه حق لآدمي فيجوز أن يبرأ بالإحلال بعد وقوع المظلمة ولا يملك إباحتها ابتداء كالدم والقذف ، والدليل على أنه حق له أنه يلاعن زوجته ويفسخ نكاحها لأجل التهمة به وغلبة ذلك على ظنه وإنما يتحالف في حقوق الآدميين انتهى كلامه . ولأن الزوج يمنع من وطئها زمن العدة وفي منعه من مقدمات الجماع خلاف وذلك سبب فعل الزاني لا سيما إن كان كرهها . فقد ظلمها وظلم الزوج ، وقد روى النسائي وابن ماجة والترمذي وصححه حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحمد اللّه عز وجل وأثنى عليه وفيه " ألا إن لكم على نسائكم حقا ، وإن لنسائكم عليكم حقا ، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ، ألا